فخر الدين الرازي

188

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قرا حمزة والكسائي : يأتيهم بالياء وفي النحل مثله والباقون تَأْتِيَهُمُ بالتاء . واعلم أنه تعالى لما بين انه انما انزل الكتاب إزالة للعذر وإزاحة للعلة وبين انهم لا يؤمنون البتة وشرح أحوالا توجب الياس عن دخولهم في الايمان فقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ونظير هذه الآية قوله في سورة البقرة : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [ الانعام : 158 ] ومعنى ينظرون ينتظرون وهل استفهام معناه النفي وتقدير الآية : انهم لا يؤمنون بك الا إذا جاءهم أحد هذه الأمور الثلاثة وهي مجيء الملائكة أو مجيء الرب أو مجيء الآيات القاهرة من الرب . فان قيل : قوله : أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ هل يدل على جواز المجيء والغيبة على اللّه . قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : ان هذا حكاية عنهم وهم كانوا كفارا واعتقاد الكافر ليس بحجة والثاني : ان هذا مجاز . ونظيره قوله تعالى : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ [ النحل : 26 ] وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ [ الأحزاب : 57 ] والثالث : قيام الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على اللّه تعالى محال وأقربها قول الخليل صلوات اللّه عليه في الرد على عبدة الكواكب لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الانعام : 76 ] . فان قيل : قوله : أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ لا يمكن حمله على اثبات اثر من آثار قدرته لان على هذا التقدير : يصير هذا عين قوله : أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ فوجب حمله على أن المراد منه إتيان الرب . قلنا : الجواب المعتمد ان هذا حكاية مذهب الكفار فلا يكون حجة وقيل : يأتي ربك بالعذاب أو يأتي بعض آيات ربك وهو المعجزات القاهرة . ثم قال تعالى : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ واجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة عن البراء بن عازب قال : كنا نتذاكر امر الساعة إذا اشرف علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : ما تتذاكرون ؟ قلنا : نتذاكر الساعة قال : « انها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات الدخان ودابة الأرض وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونار تخرج من عدن » وقوله : لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ صفة لقوله : نَفْساً وقوله : أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً صفة ثانية معطوفة على الصفة الأولى والمعنى : ان اشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الايمان نفسا ما آمنت قبل ذلك وما كسبت في إيمانها خيرا قبل ذلك . ثم قال تعالى : قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وعيد وتهديد . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 159 ] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 159 ) قرا حمزة والكسائي فارقوا بالألف والباقون فَرَّقُوا ومعنى القراءتين عند التحقيق واحد لان الذي فرق دينه بمعنى انه أقر ببعض وأنكر بعضا فقد فارقه في الحقيقة وفي الآية أقوال : القول الأول : المراد سائر الملل . قال ابن عباس : يريد المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويزعمون أنهم